سورة العنكبوت - تفسير تفسير النسفي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (العنكبوت)


        


{وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين} أي وإن تكذبوني فلا تضروني بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم وما ضروهم وإنما ضروا أنفسهم حيث حل بهم العذاب بسبب تكذيبهم، وأما الرسول فقد تم أمره حيث بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته، أو وإن كنت مكذباً فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة حيث كذبوا وعلى الرسول أن يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب. وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله {فما كان جواب قومه} محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه، والمراد بالأمم قبله قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم. وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: فالجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه فلا تقول (مكة وزيد قائم خير بلاد الله). قلت: نعم وبيانه أن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم عليه السلام كان مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله {وإن تكذبوا} على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمداً فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها لأن قوله {فقد كذب أمم من قبلكم} لا بد من تناوله لأمة إبراهيم وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الآيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده وصفة قدرة الله تعالى وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه.


{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} وبالتاء: كوفي غير حفص {كَيْفَ يُبْدِئ الله الخلق} أي قد رأوا ذلك وعلموه. وقوله {ثُمَّ يُعِيدُهُ} ليس بمعطوف على {يبدئ} وليست الرؤية واقعة عليه وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت كما وقع النظر في قوله {كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشِئ النشأة الآخرة} [العنكبوت: 20] على البدء دون الإنشاء بل هو معطوف على جملة قوله {أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق} {إِنَّ ذلك} أي الإعادة {عَلَى الله يَسِيرٌ} سهل {قُلْ} يا محمد وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره وأوحينا إليه أن قل {سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق} على كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله بالمشاهدة، وبدأ وأبدأ بمعنى {ثُمَّ الله يُنشِئ النشأة الآخرة} أي البعث. وبالمد حيث كان: مكي وأبو عمرو. وهذا دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحدة منهما إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال (كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة) لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب أن لا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى ينشيء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ {إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ} قادر {يُعَذّبُ مَن يَشَاء} بالخذلان {وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء} بالهداية أو بالحرص والقناعة، أو بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع وبملازمة السنة {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} تردون وترجعون {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} ربكم أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه {فِى الأرض} الفسيحة {وَلاَ فِى السماء} التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها {وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ} يتولى أموركم {وَلاَ نَصِيرٍ} ولا ناصر يمنعكم من عذابي.


{والذين كَفَرُواْ بئايات الله} بدلائله على وحدانيته وكتبه ومعجزاته {وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى} جنتي {وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان {إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ} قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين فكانوا جميعاً في حكم القائلين فاتفقوا على تحريقه {فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار} حين قذفوه فيها {إِنَّ فِى ذَلِكَ} فيما فعلوا به وفعلنا {لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} روي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار يعني يوم ألقي إبراهيم في النار وذلك لذهاب حرها {وَقَالَ} إبراهيم لقومه {إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدنيا} حمزة وحفص، {مودةً بينكم} مدني وشامي وحماد ويحيي وخلف {مودة بينكم} مكي وبصري وعلي، {مودةٌ بينكم} الشمني والبرجمي، النصب على وجهين على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وأن يكون مفعولاً ثانياً كقوله {اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الجاثية: 23] و(ما) كافة أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف، أو اتخذتموها مودة بينكم أي مودة بينكم كقوله: {وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله} [البقرة: 165] وفي الرفع وجهان: أن يكون خبراً ل {إن} و(ما) موصولة، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودة {بينكم}، والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة. ومن أضاف المودة جعل بينكم اسماً لا ظرفاً كقوله {شهادة بَيْنِكُمْ} [المائدة: 106] ومن نوّن {مودة} ونصب {بينكم} فعلى الظرف {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} تتبرأ الأصنام من عابديها {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أي يوم القيامة يقوم بينكم التلاعن فيلعن الأتباع القادة. {وَمَأْوَاكُمُ النار} أي مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع {وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين} ثمة.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8